ابن أبي مخرمة

276

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

لا تطمع برئاسة في بلدة فيها أبو يوسف ، وقضى لأبي يوسف على زفر . ومن كلام أبي يوسف : صحبة من لا يخشى العار عار يوم القيامة ، وكان يقول : العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك ، وأنت إن أعطيته كلك . . كنت من إعطائه البعض على غرر . قيل : كان يجلس إلى أبي يوسف رجل يطيل الصمت ، فقال له أبو يوسف : ألا تتكلم ؟ فقال : متى يفطر الصائم ؟ قال : إذا غربت الشمس ، قال : فإن لم تغب إلى نصف الليل ؟ فضحك أبو يوسف وقال : أصبت في صمتك ، وأخطأت أنا في استدعاء نطقك ، ثم تمثل وأنشد : [ من الطويل ] عجبت لإزراء الغبي بنفسه * وصمت الذي قد كان بالقول أعلما وفي الصمت ستر للغبي وإنما * صحيفة لب المرء أن يتكلما سأله الرشيد عن إمام شاهد رجلا يزني هل يحده ؟ قال : فقلت : لا ، فسجد الرشيد ، فوقع لي أنه قد رأى بعض أهله على ذلك ، ثم قال لي : من أين قلت هذا ؟ قلت : من قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ادرءوا الحدود بالشبهات » « 1 » وهذه شبهة ، فقال : وأي شبهة في المعاينة ؟ ! قلت : ليس توجب المعاينة لذلك أكثر من العلم بما جرى ، وليس لأحد أخذ حقه بعلمه ، فسجد أخرى ، وأمر لي بمال جزيل ، وأن ألزم الدار ، فما خرجت حتى جاءتني هدية ممن شوهد منه ذلك ومن أمه وأهله ، وكان أصلا للنعمة ، ولزمت الدار ، فصار هذا يستفتيني ، وهذا يشاورني ، ولم يزل حالي يقوى حتى قلدني قضاء القضاة . قال ابن خلكان : ( وهذا يخالف ما تقدم : أنه ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء ) اه « 2 » ولعله ولي الآن القضاء الأكبر الذي عبر عنه بقضاء القضاة ، وكانت تولية الثلاثة ؛ لمجرد القضاء ، ويحتمل أنه كان قد عزل في أيام الهادي ، ثم قلده الرشيد القضاء عند هذه القضية ، فيصدق أنه ولي القضاء للثلاثة ، واللّه أعلم بحقيقة الحال . قال الشيخ اليافعي : ( وقول أبي يوسف : وليس لأحد أخذ حقه بعلمه . . منتقض بمسألة الظفر ؛ فإن له أخذ قدر حقه ، ولو قال : وليس للقاضي أن يقضي بعلمه في حدود اللّه تعالى . . كان صوابا ) اه

--> ( 1 ) أخرجه الحاكم ( 4 / 384 ) ، والترمذي ( 1424 ) . ( 2 ) « وفيات الأعيان » ( 6 / 381 ) .